يحيى بن معاذ الرازي
192
جواهر التصوف
الدنيا والآخرة ، وعيش الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون » [ الحلية : 10 / 64 ] . * النفس بما ركّب فيها من الغرائز تميل إلى الدنيا ، ولكن مستقبل حياتها في ضبط هذا الميل وترشيده ، كما أن موتها في الإقبال على الدنيا بلا ضابط . . فهي كالطفل ميّال إلى اللّعب بغريزته فإن تركناه وشأنه ظل سادرا في لعبه ، وإن وجّهناه إلى العلم والعمل كان في ذلك مستقبل حياته وفلاحه ، ورحم اللّه البوصيري إذ يقول في البردة : من لي بردّ جماح من غوايتها * كما يردّ جماح الخيل باللّجم فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها * إنّ الطّعام يقوّى شهوة النّهم والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على * حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم فاصرف هواها وحاذر أن تولّيه * إنّ الهوى ما تولّى يصم أو يصم * * * 298 - « على حسب اقتراب قلبك من الدنيا يكون بعدك من اللّه ، وعلى حسب بعد قلبك من الدنيا يكون قربك من اللّه ، وكما كان معدوما وجود نفسك في مكانين ، فكذلك معدوم وجود قلبك في دارين ، فإن كنت ذا قلبين فدونك اجعل أحدهما للدنيا ، وأحدهما للآخرة ، وإن كنت ذا قلب واحد فاجعله لأولى الدارين بالنّعيم والمقام والبقاء والإنعام » [ الحلية : 10 / 65 ] . * قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 7 - 10 ] . وقال تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ الأحزاب : 4 ] . العاقل من شغل قلبه بأخراه ، إنها الحيوان لو كانوا يعلمون . . . وعلى حد قول الشاعر : كلانا يحبّ الحياة لنفسه * حريصا عليها مستهاما بها صبّا فحبّ الجبان النّفس أورده التّقى * وحبّ الشّجاع النّفس أورده الحربا * * * 299 - « ذكر الدنيا داء ، وذكر الخلق بلاء وذكر العقبى دواء ، وذكر المولى شفاء » [ علم القلوب : 18 ] .